بخبرتها الواسعة في مجال التطوير الإداري والشخصي، وبما تمتلكه من مهارات متقدمة في التخطيط والاتصال الفعّال وإدارة المتغيرات، تؤمن مستشارة التطوير الشخصي والتنمية الذاتية صفية محمد القارئ بأن الاستثمار في الإنسان هو الرسالة السامية في الحياة، وأن تمكينه هو ركيزة بناء المستقبل، فالتنمية بكل غاياتها للإنسان وبالإنسان.
وأكدت استشارية تطوير المهارات البشرية، أنه انطلاقًا من هذه الرؤية، أطلقت مبادرةً بالتعاون مع عدد من الجمعيات الخيرية في المملكة لتنفيذ نموذج تنموي متكامل، وفق منهج يهدف إلى تمكين الأفراد. وتكمن أهمية هذا المنهج في كونه يتقاطع مع أهداف التنمية الوطنية في مملكة البحرين، من خلال التركيز على تنمية رأس المال البشري، وتعزيز الاستدامة الاجتماعية، وبناء جيل قادر على مواكبة متطلبات الواقع بقدرات مناسبة وروح ريادية.
وفيما يلي نص الحوار:
■ حدثينا عن بداياتكِ الأولى في مجال تمكين الأسر؟
- بداياتي كانت خلال مسيرة عملي في القيادة المدرسية، والتي أتاحت لي التعامل مع صنوف متعددة من الأنماط البشرية، وتدعيم هذه الخبرة العملية بالدراسة والاطلاع. وقد تجسد ذلك من خلال التدريب المهني والشخصي لمئات من الفئات في مجالات متنوعة، من منطلق الإيمان بالثروة الإنسانية وتمكينها من اتخاذ دورها تجاه مجتمعها ووطنها.
وهذا ما مهّد لبدايتي في تمكين الأفراد والأسر بمصادر دخلهم المستقلة، من خلال مشاريع منزلية مستدامة. وكانت المحطة الأولى في جمعية توبلي الخيرية، حيث بدأنا بخمس أسر فقط. ولكن بفضل استراتيجية التمكين الشامل التي اتبعناها، تمكنا خلال فترة قصيرة من الوصول إلى عشر أسر بحرينية أطلقن مشاريعهن الخاصة.
وقد انعكس هذا الشغف على خطة طموحة استهدفت عشرات المشاركين في مبادرة التمكين بالتعاون مع جمعية مدينة حمد الخيرية الاجتماعية، إذ بلغ عدد المستفيدين أكثر من 100 أسرة خلال فترة امتدت إلى أربع سنوات.
■ ما أبرز التحديات التي واجهتِها؟
- واجهنا تصادمًا مع بعض الأفكار الراسخة لدى فئة من المجتمع، والتي تتبنى الاعتقاد بأن مكان المرأة هو المنزل فقط. لكننا كسرنا هذه الصورة النمطية من خلال ثقافة الوعي التي يحتويها المنهج، والنتائج الإيجابية الملموسة.
كما أن التحدي الأكبر تمثل في التعامل مع الأسر والأفراد من ذوي الدخل المحدود أو معدومي الدخل، حيث لمستُ وجود صورة نمطية لدى البعض منهم، وهي الخوف من التغيير والاعتياد على المساعدات، التي رغم محدوديتها، تشكّل هامش أمان واستقرار. وهنا كان لا بد من إعادة تشكيل أولويات القيم، وتقديم تعريف إيجابي لمفاهيم مثل الأمان والاستقرار والمثابرة.
التحدي الثالث كان نفسيًا بالدرجة الأولى، فعند مقابلتي للعديد من الأفراد، اكتشفت أن عددًا منهم «مبرمجون» على البقاء في منطقة ضعفهم، والاعتماد على المساعدات الاستهلاكية فقط. التحدي الفعلي كان إخراجهم من دائرة الحاجة المستمرة، وحثّهم على البدء بالمشاركة الفاعلة في حياتهم نحو النجاح والاستقرار المادي. وقد حصدنا تجاوبًا مبهرًا بمجرد تخطي هذا الحاجز النفسي، فالإنسان البحريني مجبول على الاستجابة والمثابرة في سبيل رزقه.
■ ما فلسفتكِ في تمكين الأسر؟
- أؤمن بأن التمكين يحدث ضمن ديناميكية الحياة. ففي أبسط صوره، عندما نساعد رجلًا مسنًا في عبور الشارع، فإننا مكنّاه من الوصول، والمعلم يمكّن المتعلمين من موارد المعرفة، والطبيب يمكّن مرضاه من التعافي.
التمكين يحدث في كل حالة إنسانية، اجتماعية أو مهنية. فماذا لو تم التخطيط له وممارسته بناءً على وعي وتخطيط محكم وموارد مناسبة؟ ماذا لو اتسع ليشمل جميع الجوانب المتصلة بالإنسان: معرفيًا، نفسيًا، اجتماعيًا، مهاريًا، وماديًا؟ حينها سيحدث تحول حقيقي في جودة حياة الفرد، ويسهم في نماء مجتمعي ونهضة وطنية واعدة.
■ كيف تترجمين هذا عمليًا؟
- في بداية مبادرة التمكين، وضعتُ استراتيجية للعمل على دعم الأسر والأفراد، مستندة إلى خبرتي الاستشارية في مجال الإدارة، وإلى مجموعة من القواعد والمعلومات التي أتبناها في جميع مشاريعي الاستشارية، بصفتي مؤسسة لـ«سما للاستشارات».
ومع الوقت، منحتني التجربة تراكمًا من الأساليب الناجعة، وخبرة عميقة في التعامل مع مراحل التمكين.
رحلة التمكين تشمل خمس مراحل: التهيئة، التدريب، التمكين، المتابعة، ثم التوسع والاستدامة. ويمكن اعتبار المحرك الأول في جميع المراحل هو الرغبة الحقيقية للمشاركين في تحقيق غاياتهم وتحسين جودة حياتهم، من جهة، وإيماننا بقدراتهم، وتقديم المساندة الاستشارية المختصة من الجهة المقابلة.
■ هل لديكِ نماذج نجاح ملهمة لأسر تمكنت من شق طريقها نحو حياة مستقرة ومتمكنة؟
- بالتأكيد، إحدى السيدات كانت تبيع القهوة بطريقة تقليدية، وبعد التدريب ارتفعت مبيعاتها بنسبة تقارب 60%. وآخر كان يبيع السمك، وتمكن من التوسع إلى ثلاثة فروع، ليصبح لاحقًا من أنجح المشاريع التي دربتها.
النجاح لا يكمن في الأرقام فقط، بل في التغيير الجذري للعقلية المالية، والقدرة على إدارة المديونية، وتعليم الأسر كيفية تحويل المال من مصدر قلق إلى أداة لبناء المستقبل.
■ كيف ترين تطور دور الجمعيات الخيرية في تمكين الأسر؟
- هناك تحول نوعي وملموس. فقد بدأت العديد من الجمعيات الخيرية المرخصة في مملكة البحرين بالانتقال من منطق «إعطاء السمكة» إلى «تعليم الصيد». لم يعد دورها يقتصر على تقديم المساعدات النقدية أو العينية، بل باتت تخصص جزءًا من دعمها لتمويل المشاريع الصغيرة، وتقديم رأس المال اللازم لبدء هذه المشاريع. وتم ذلك بالتعاون مع بيوت الخبرة لتوجيه الأموال وفق معايير واشتراطات مدروسة. وقد منحتني مؤسسة سما للاستشارات شرف تقديم منهج التمكين بالتعاون مع 25 جمعية خيرية، شملت فئات متعددة: من عاطلين، وخريجين جامعيين، ومتقاعدين من مختلف المستويات المعيشية.
إن الفارق جوهري، فبدلًا من أن تظل الأسرة في دائرة الانتظار الشهري للمساعدة، أصبحت تنتج وتدرّ دخلًا مستدامًا. فمثلًا، أسرة كانت تتلقى 80 دينارًا كمساعدة شهرية على مدى 30 عامًا، أصبحت تحقق 500 دينار شهريًا من مشروعها المنزلي.
■ هل هناك ضمانات لنجاح هذه المشاريع وعدم تكبد الأسر والأفراد خسائر مادية؟
- لا، لا يوجد نجاح مضمون بنسبة 100%، ولكننا نعمل على تقليل المخاطر من خلال التدريب المكثف قبل انطلاق المشروع، والتوجيه المختص، وحل المشكلات أولًا بأول، وتقديم الدعم في التسويق. فالنجاح لا يعني عدم السقوط، بل القدرة على النهوض مجددًا.
■ كيف يمكن الانتقال من تمكين الأسرة الواحدة إلى خلق مجتمع منتج بالكامل؟
- هذه الرؤية تتطلب تحولًا استراتيجيًا من العمل الفردي إلى النموذج التعاوني، من خلال إنشاء «مجتمعات إنتاجية» متكاملة، يتم فيها ربط الأسر المنتجة ببعضها البعض من خلال تحالفات أو نوادٍ لتبادل الخبرات وقصص النجاح، والانطلاق نحو الأسواق المحلية، ثم التوسع نحو الأسواق القريبة والعالمية.